للبحث  

English / Français
  أخبار
  عن الانطلاقة
  أخبار ثقافية
  مقالات
  القدس في صور
  مشاركة ذوي الإعاقة
  مشاريع مقترحة - مناطق 48
  مشاريع مقترحة - قطاع غزة
  مسابقة الملصق

  مشاريع
  شركاؤنا
  آراء ومقترحات
  مشاركات
  أشعار عن القدس
  اصدارات
  دعوات وملصقات
  نشرة إحتفالية القدس


أصوات مقدسية

في ذكرى درويش


الإحتفاليــةالحـــــدثالبنية التحتيةاجندة الفعالياتاتصل بنا


الرئيسية >
Print Send to


احتفالية القدس: مستوى النجاح ومقدار الفشل


الكاتب : د.فارسين اغابكيان


في الحفل الختامي لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 الذي أقيم في السابع عشر من كانون أول على مسرح الأمير تركي بن عبد العزيز في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، حمل الرئيس محمود عباس شعلة القدس الثقافية لتسليمها، كما جرت العادة، إلى ممثل دولة قطر باعتبار الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010، لكنه للأسف لم يجد من يتسلمها، وعلق مازحا من فوق خشبة المسرح: سأحملها بيدي وأطير بها للعاصمة الدوحة لتسليمها إلى الأشقاء القطريين. لم تفسر الدوحة سر غيابها عن الاحتفالية واكتفت بالإشارة بأنه جاء في سياق انشغال الهيئات الرسمية الثقافية عن الحضور، وأعتقد شخصيا أن هذا التفسير لا يغطي سؤال الغياب، خاصة أن العادة جرت بتسليم راية الثقافة العربية من عاصمة إلى أخرى: سلمت القاهرة العام 1996 الراية إلى العاصمة التي تلتها، وتواصل تنقل الراية من عاصمة إلى أخرى حتى بلغت دمشق العام الماضي وسلمتها إلى القدس. قد يكون للغياب العربي عن ختام احتفالية القدس برغم الحضور الاستثنائي واللافت للوفود الإماراتية والأردنية والكويتية ما يثير التساؤل بشأن حضور القدس في وجدان العالم العربي الرسمي ومستوى حضورها في وجدان المواطن العربي، وبتقديري لو أن الوفود العربية الرسمية حضرت جميعها لتمكنت القدس من انتزاع انتصار إضافي يعزز هويتها العربية.
1
أصدر الرئيس محمود عباس سنة 2007 مرسوماً رئاسياً بتشكيل اللجنة الوطنية لاحتفالية القدس برئاسة الشاعر محمود درويش، إلا أن ظرفه الصحي حال دون متابعة مهامه التي أوكلت إليه، بل للأسف رحل في آب 2008 قبل أن تتسلم القدس الراية من دمشق التي اعتلت عاصمة الثقافة العربية للعام 2008. أوكلت مهام إدارة اللجنة الوطنية للدكتور رفيق الحسيني رئيس ديوان الرئاسة بمشاركة خمس وزارات ومجموعة من ممثلي المؤسسات الثقافية لتشكل معاً المجلس الإداري للاحتفالية، وحافظ المجلس الإداري على اجتماعات دورية منتظمة بمشاركة لجانه لإقرار الفعاليات والمشروعات الثقافية، فيما يسند عمل المجلس الإداري مكتب تنفيذي بدأ بخمسة عشر موظفاً وموظفة وانتهى بسبعة موظفين لقلة توفر الإيرادات المالية، ولا بد من الإقرار بأنه طاقم صغير جدا قياسا للمهام التنفيذية الواسعة الموكلة إليه.

لم يكن المجلس الإداري مؤسسة تمويل تستهدف توفير الاحتياجات المالية للمؤسسات الثقافية، مهما صعدت درجة أهميتها وبرزت رفعة تاريخها في مواجهة الاحتلال وتثبيت الهوية الوطنية. ويتطلب الأمر الحيوي التدقيق جيدا بدور المجلس الإداري للاحتفالية وعدم خلط مهمته الثقافية الأساسية مع دوره الثانوي في توفير ما يلزم من أموال متواضعة لضمان نجاح الفعاليات ومشروعات بنيتها التحتية، والمساهمة في صياغة برامج الاحتفالية على مدار العام سواء كانت في الوطن أم خارجه.

كانت الأحلام كبيرة تتجاوز الواقع، وكنا نأمل أن تستقطب الاحتفالية تمويلا عربيا لا يقل عن خمسين مليون دولار لتنفيذ مشاريع ثقافية حيوية على كامل التراب الوطني الفلسطيني وفي كل أرجاء الشتات. لم تصل الأموال الموعودة والمأمولة، ولم نتمكن سوى من تجنيد خمسة ملايين دولار أغلبها أموال دفعتها الحكومة الفلسطينية، وتم فيها تنفيذ أكثر من مائتي مشروع ونحو 500 فعالية بمعدل فعاليتين ثقافيتين في اليوم الواحد، فيما استحوذت القدس المحتلة على 40 بالمائة من المشاريع الثقافية وتوفير الدعم المالي لنشاطات 18 مؤسسة ثقافية داخل أراضي العام 1948 من أجل مواصلة نشاطاتها على مدار العام، وكذلك دعمت موازنة الاحتفالية "الأوبريت" العربي الغنائي في الشتات وغيره من الفعاليات.

أقامت الاحتفالية أحد عشر أسبوعا ثقافيا في الضفة الغربية ولم يتعثر سوى أسبوع واحد، وشهدت غزة ثلاثين مشروعا ثقافيا وأربعة مهرجانات وإنتاج أربع مسرحيات. وعربيا، باستثناء الأردن، لم تبذل الدول العربية جهدا لتنظيم أسابيع ثقافية متتالية في الضفة الغربية ربما تحت يافطة تجنب "التطبيع" رغم أن الحضور العربي الثقافي في مشهد القدس سيعزز بالتأكيد من وضع المدينة في مواجهة حصارها، ومع ذلك نعترف أن معظم الدول العربية وبعض الدول الأجنبية أقامت على أرضها أسابيع ثقافية متعددة بمشاركة فلسطينية، فيما نظمت السفارات الفلسطينية في الخارج بالتعاون مع الجاليات الفلسطينية والعربية في الشتات أسابيع ثقافية كثيرة استقطبت اهتمام الرأي العام الأجنبي.

2- تأخر افتتاح احتفالية القدس الذي جرى في مدينة بيت لحم في الحادي والعشرين من آذار عام2009 مدة شهرين على موعده المقرر بسبب العدوان الإسرائيلي الذي تواصل على مدار ثلاثة أسابيع وبدأ في الأيام الأربعة الأخيرة عام 2008 وتواصل حتى الثامن عشر من كانون ثاني عام 2009 واستهدف بشكل وحشي أبناء شعبنا في قطاع غزة.

وواجه الافتتاح حملة بطش إسرائيلية منظمة في القدس وإجراءات إغلاق للمؤسسات الفلسطينية، ومع ذلك نجح الافتتاح في تسليط الضوء على الظروف القاسية التي تعيشها القدس من خلال حصارها بجدار فصل عنصري، والاستيلاء على أراضيها وبناء سلسلة من المستوطنات حولها، وهدم منازل المواطنين والاستيلاء عليها وحظر منح رخص للبناء وسحب البطاقات الشخصية وزيادة الضرائب في محاولة لتنفيذ سياسة التهجير الصامت لتغيير المعادلة الديمغرافية في المدينة وتقليص الأكثرية العربية لصالح أكثرية يهودية، وواضح أن سياسة دولة الاحتلال بضم الشطر الشرقي للمدينة وإعلانها "عاصمة موحدة" للمحتل يأتي في سياق خدمة تهويد المدينة وضمان أكثرية يهودية في شطرها الشرقي من أجل قطع الطريق على إعلانها عاصمة للدولة الفلسطينية المرتقبة!؟ عَمَد الاحتلال إلى التضييق على المؤسسة الثقافية لإجبارها على مغادرة القدس، ناهيك عن الأوامر العسكرية التي تقيد النشاطات الثقافية تحت ذرائع أمنية في محاولة جادة لإفشال الفعاليات الثقافية التي تقررت على مدار عام الاحتفالية، لكن قوة الثقافة واجهت ثقافة القوة.

3-واجهت الاحتفالية نقداً من مواقع ثقافية وسياسية مختلفة، بعضها منطقي يستدعي التقدير والاحترام وينطلق من موقع الحرص على نجاح الاحتفالية، وبعضها عدمي يأتي من موقع التشكيك بغياب فرص النجاح وإعلاء صوت القدس، وهناك أصوات هامشية لا تجيد سوى النقد المدمر ولا تمتلك أقلاما إلا للكتابة العمياء المغرقة في "الشخصانية" وذلك عندما تبرق النشاطات الثقافية وحتى الاجتماعية والسياسية بعيدا عن مصالحها الشخصية ورؤيتها الضيقة، ذلك أنها تنظر إلى كل مشروع من زاوية شخصية محصورة ومن موقع "الزبائنية" الذي يحكم سلوكها بعيدا عن الحسابات الوطنية التي ترتفع فوق منطق الربح والخسارة، ومع ذلك نقر بمجموعة مآخذ على أداء العمل أبرزها: عدم مواكبة حدث الاحتفالية بالمعنى الزمني، ضعف التواصل مع هامش واسع من المبدعين والمثقفين والفنانين سواء على مستوى الداخل أو الخارج، قلة توفر الإمكانات المادية وضعف الالتزام بتوفير الموازنات المطلوبة التي كنا نطمح باستلامها لتنفيذ مشروعات البنية التحتية للمؤسسات الثقافية وإعادة ترميم بعض المؤسسات القائمة.

شكل الانقسام السياسي الذي عصف في الساحة الفلسطينية أواسط العام 2007 مفصلا مهماً في ضعف الأداء الفلسطيني على المستوى العربي والدولي، فقد أدى إلى خلق لجنتين للاحتفاء بالقدس واحدة في الضفة والثانية في غزة، وأخذنا قرارا منذ البداية في تجنب الصراع مع لجنة غزة وتحييد القدس من تراكم الخلاف والانقسام فوق كاهلها لأنها تحتاج كل الجهود لمناصرتها، ولكن لا بد من التنويه أن وجود لجنتين للقدس خلق حالة من الإرباك على المستوى المحلي والعربي وحتى الدولي، في وقت باتت فيه القدس تحتاج لجهود كل لجان فلسطين والعالم العربي من أجل مزيد من الإسناد والدعم والتضامن، ذلك أن المدينة المقدسة تمتلك روح توحيد الشعب وتماسك جميع مؤسساته لترتفع فوق الخلاف والانقسام، والمدينة نقطة تجميع ووحدة لا خلاف وفرقة، ذلك أنها تحتاج لمجهود جماعي كبير يستدعي الوحدة الوطنية ووضوح البرامج والرؤية من أجل ضمان أفضل صيغة لمتابعة تنفيذ مشاريع البنية التحتية في السنوات المقبلة من أجل قطع الطريق على محاولات تهويدها.

علينا الاعتراف بحقيقة أن القدس عاصمة استثنائية في العالم العربي، حيث تخضع للاحتلال الإسرائيلي، وكان لا بد من الاستجابة للقرار العربي بتتويجها عاصمة للثقافة العربية، في وقت اعتذرت فيه العاصمة بغداد عن تسلم راية العواصم الثقافية العربية عقب دمشق. واضح أن التحديات كبيرة وليست سهلة بل معقدة ومتداخلة بطريقة تعكس خصوصية الحالة الفلسطينية، لكن ورغم ذلك تحتاج القدس العربية في هذا الظرف الحرج لمزيد من الوحدة والتماسك إسنادا لتاريخها وثقافتها وحفاظاً على معالمها المدنية والدينية وتراثها الحضاري، ولعل في شعار الاحتفالية بأن "القدس توحد ولا تفرق" ما ساعدنا على تجميع الطاقات والقدرات والإمكانات الهائلة التي يختزنها أبناء شعب فلسطين في الوطن والشتات خدمة للمدينة المقدسة ومشروعها الثقافي وفعالياتها الإبداعية حتى تلمع العاصمة الفلسطينية نجمة مضيئة فوق أسوار حصارها.

4- عند التدقيق جيدا بمعايير النجاح والفشل التي حكمت احتفالية القدس، يمكن الحكم على المعادلة من خلال مستوى حفل الافتتاح والاختتام وحجم التفاعل العربي عبر البث الفضائي المباشر، وكذلك حجم التغطية الثقافية الذي استهدف كامل التراب الوطني الفلسطيني من البحر إلى النهر بتنفيذ نحو مائتي مشروع ثقافي و500 فعالية رغم قلة الموارد المالية، وأيضا بمشاركة جميع المحافظات في النشاطات وتنظيم أسابيع ثقافية عربية في الأردن، لبنان، عُمان، السعودية، البحرين، الجزائر وغيرها، وكذلك تنظيم مشاركات ثقافية في العديد من العواصم الأوروبية ودول أميركا اللاتينية بمشاركة السفارات الفلسطينية والجاليات العربية، وفوق ذلك المشاركة في جميع الفعاليات الوطنية في القدس لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية بحق أملاك المواطنين وأماكن العبادة، وتنظيم مجموعة من المؤتمرات الصحفية وإصدار نحو عشرين بيانا صحافيا تتعلق بكشف انتهاكات الاحتلال وإطلاق موقع اليكتروني يرصد كل ما يتعلق بالمدينة، وزاره  أكثر من مائتي ألف زائر منذ انطلاقه، وإصدار دليل عن المواقع التاريخية في المدينة، وكتاب آخر يتناول مسيرة ستة مبدعين مقدسيين في الحقل الثقافي، وإصدار 42 صفحة أسبوعية على مدار سنة 2009 تركزت في الشأن المقدسي، وكانت تطبع ضمن صفحات ثماني عشرة جريدة فلسطينية وعربية وتنشر صباح كل خميس، وعلينا الإقرار أن جميع هذه النشاطات مجتمعة نجحت في تسليط الضوء على القدس المحتلة ومعاناة أهلها.

لا بد من الاعتراف بكل صراحة أن المجلس الإداري للاحتفالية لم يكن يمتلك أوهاماً بأن الاحتفالات على مدار عام يمكنها أن تحرر المدينة من قبضة الاحتلال، ولكنه كان يدرك أهمية مسح الرماد عن تاريخ المدينة المقدسة، وتتويج سلسلة من نشاطاتها الثقافية الواسعة على أرضها وفي الضفة وغزة والعالم العربي والعواصم الأجنبية في مواجهة كل محاولات التهويد والسيطرة على المدينة، بل دخل في صدام مباشر مع الرواية المضللة لأساطير الاحتلال بأسبقية الوجود اليهودي في المدينة، وبذل جهدا لتوضيح حقيقة الصراع للرأي العام الدولي.

واضح أن الاحتلال الإسرائيلي لن يتمكن مهما طال الزمن من حسم الصراع في القدس، ذلك أن المدينة تعيش في وجدان كل عربي ومسلم، ولن يصل الصراع مع دولة الاحتلال إلى نهاياته في غياب استرجاع القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة، ويبدو الأمر جليا في المواقف الفلسطينية والعربية وحتى الأوروبية التي أعلنت مؤخرا رفضها لكل الإجراءات الإسرائيلية في القدس، والحال نفسه بالنسبة لمواقف الدول الإسلامية التي أعلنت في مؤتمرها بأن القدس عاصمة للثقافة الإسلامية العام 2019 مما يؤكد أن بيت المقدس عصية على النسيان وأن وجودها تحت حراب الاحتلال يترك منطقة الشرق الأوسط برمتها على فوهة بركان.

مدير المكتب التنفيذي لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية





مخطط الصفحةاتفاقية الموقعسجل الزوارشركاؤنا
Designed By: InterTech Co.